نموذج RynnBrain : كيف تحاول Alibaba نقل الذكاء الاصطناعي من الشاشات إلى العالم الحقيقي
أعلنت Alibaba عن نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم RynnBrain، وهو نموذج أساسي مخصص لتشغيل الروبوتات والتعامل مع المهام الواقعية، في خطوة تعكس تحولًا واضحًا من التركيز على الذكاء الرقمي إلى ما يُعرف بالذكاء الفيزيائي أو Physical AI. هذا المصطلح يشير إلى الأنظمة التي لا تكتفي بمعالجة النصوص والصور داخل الحاسوب، بل تتفاعل مع البيئة الحقيقية مثل المصانع والمخازن والسيارات والروبوتات.
النموذج الجديد يمثل امتدادًا لمنظومة الذكاء الاصطناعي لدى Alibaba، التي تضم عائلة نماذج Qwen المستخدمة في خدمات الشركة السحابية والتجارية. الفرق الأساسي أن RynnBrain لا يركز على المحادثة أو تحليل البيانات فقط، بل على تمكين الآلات من فهم العالم المادي واتخاذ قرارات داخل بيئة فعلية.
الهدف الرئيسي من النموذج هو منح الروبوتات “قدرة إدراك”، أي القدرة على التعرف على الأشياء وفهم موقعها والتفاعل معها. مثال بسيط على ذلك: روبوت يرى ثمرة فاكهة، يحدد نوعها، يقدّر مكانها، ثم يلتقطها ويضعها في سلة. هذه العملية تبدو بسيطة للبشر، لكنها تحتاج إلى عدة طبقات معقدة من الذكاء الاصطناعي تشمل الرؤية الحاسوبية، وفهم المسافة، واتخاذ القرار الحركي.
يعتمد RynnBrain على فكرة “النموذج الأساسي” أو Foundation Model، وهو نموذج كبير يتم تدريبه على كم هائل من البيانات ليصبح قادرًا على أداء مهام متعددة بدلًا من مهمة واحدة. يمكن تشبيه ذلك بمحرك عام يمكن استخدامه في مجالات مختلفة، ثم تخصيصه لاحقًا لتطبيقات محددة مثل التصنيع أو الخدمات اللوجستية.
تسعى Alibaba من خلال هذا النموذج إلى دخول مجال الروبوتات الصناعية والخدمات الذكية، حيث يمكن استخدامه في إدارة المخازن، وسلاسل الإمداد، وخطوط الإنتاج، والتوصيل الآلي. هذه المجالات تمثل الجزء الأكثر ربحية في مستقبل الذكاء الاصطناعي لأنها ترتبط مباشرة بالاقتصاد الفعلي وليس فقط بالخدمات الرقمية.
المفهوم التقني الذي يقف خلف ذلك يُعرف باسم Embodied AI، أي الذكاء المجسّد. المقصود به أن الذكاء لا يبقى داخل برنامج أو تطبيق، بل يتم دمجه داخل جهاز مادي مثل روبوت أو سيارة ذاتية القيادة، بحيث يستطيع الإحساس بالبيئة واتخاذ قرارات بناءً على ما يراه أو يلمسه أو يقيسه.
تعمل Alibaba أيضًا على إتاحة النموذج كمصدر مفتوح أو Open Source. هذا يعني أن المطورين حول العالم يمكنهم استخدامه وتطويره مجانًا، بدل أن يبقى حكرًا على الشركة. هذه الاستراتيجية تُستخدم عادة لتسريع الانتشار وبناء مجتمع تقني حول المنتج، ما يساعد في تحسينه بسرعة وجعله معيارًا في السوق.
إطلاق RynnBrain يضع Alibaba في منافسة مباشرة مع شركات عالمية تعمل في المجال نفسه. شركات مثل Nvidia تطور نماذج لتشغيل الروبوتات الصناعية، بينما تعمل Google DeepMind على نماذج تسمح للآلات بفهم البيئة الحقيقية، كما تطور Tesla أنظمة ذكاء لتشغيل الروبوتات البشرية.
هذه المنافسة ترتبط بسباق عالمي أكبر حول قيادة ما يُسمى “الذكاء الصناعي المادي”، وهو المرحلة التالية بعد الذكاء التوليدي الذي يكتب النصوص وينتج الصور. المرحلة الجديدة تركز على جعل الآلات تعمل وتتحرك وتنفذ مهام في الواقع.
اقتصاديًا، يمثل النموذج مؤشرًا مهمًا للمستثمرين لأن إدخال الذكاء الاصطناعي في الروبوتات يعني ربطه مباشرة بالإنتاج والتصنيع والتجارة. هذا قد يرفع قيمة الشركات التي تمتلك تقنيات قادرة على تقليل العمالة البشرية أو تسريع العمليات الصناعية.
في المقابل، يبقى التحدي الأكبر هو التنفيذ الفعلي. تطوير نموذج قادر على فهم النصوص أسهل بكثير من تطوير نظام يتحكم في آلة تتحرك في بيئة حقيقية مليئة بالعوائق والتغيرات. أي خطأ في التقدير قد يؤدي إلى فشل المهمة أو حتى مخاطر مادية.
هناك أيضًا عامل التكلفة. تشغيل الذكاء الاصطناعي داخل الروبوتات يتطلب أجهزة متقدمة، ومستشعرات دقيقة، وقدرات معالجة عالية، ما يعني استثمارات ضخمة قبل الوصول إلى عائد تجاري واضح.
مع ذلك، تشير المؤشرات إلى أن الذكاء الاصطناعي يتجه تدريجيًا إلى الخروج من الشاشات. المرحلة الأولى كانت كتابة النصوص وتحليل البيانات. المرحلة الثانية كانت إنتاج الصور والفيديو. أما المرحلة القادمة فهي جعل الآلات تفكر وتتحرك وتعمل في العالم الحقيقي.
RynnBrain يمثل محاولة واضحة للدخول في هذه المرحلة مبكرًا، وبناء موقع داخل سوق يتوقع أن يصبح أحد أكبر قطاعات التكنولوجيا خلال السنوات المقبلة، حيث تتحول الروبوتات من أدوات محدودة داخل المصانع إلى أنظمة ذكية قادرة على العمل في مجالات متعددة من الصناعة إلى الخدمات اليومية.










