سباق الذكاء الاصطناعي بين أمريكا والصين يدخل مرحلة الحسم في 2026
يتخذ التنافس بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي مسارًا أكثر تعقيدًا في عام 2026، حيث لم يعد الصراع يقتصر على تطوير النماذج الأكثر تقدمًا، بل أصبح يشمل السيطرة على البنية التحتية الرقمية، وسلاسل الإمداد، والتطبيقات الاقتصادية المرتبطة بالتقنية.
بدأت ملامح هذا التحول منذ إطلاق تطبيق DeepSeek الصيني، الذي فاجأ الأسواق التقنية بقدرته على تقديم أداء قريب من النماذج الأمريكية الكبرى مع تكلفة أقل واستخدام رقائق أقل تقدمًا. هذا الحدث مثّل نقطة تحول في إدراك العالم لقدرة الصين على منافسة النماذج الغربية، وأدى إلى تسريع الاستثمارات الحكومية والخاصة في تطوير منظومة ذكاء اصطناعي متكاملة داخل البلاد.
في المقابل، تؤكد الولايات المتحدة أنها تخوض سباقًا مباشرًا للحفاظ على الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي. وقد وضعت خططًا استراتيجية تستهدف إزالة العوائق التنظيمية أمام الابتكار، وتصدير منظومة الذكاء الاصطناعي الكاملة — من العتاد والبرمجيات إلى المعايير التقنية — إلى الدول الحليفة، بهدف تقليل اعتمادها على التكنولوجيا المنافسة.
ورغم النجاح العالمي لبعض النماذج الصينية، لا تزال الولايات المتحدة تتفوق بوضوح في القدرة الحاسوبية، خاصة في إنتاج الرقائق المتقدمة ومراكز البيانات الضخمة اللازمة لتدريب النماذج العملاقة. شركات مثل Nvidia تسيطر على تصنيع الشرائح المتطورة، فيما تفرض واشنطن قيودًا صارمة على تصدير هذه التقنيات إلى الصين للحفاظ على هذا التفوق.
في الجانب الصيني، يتوافر عنصران حاسمان: وفرة البيانات وقوة الموارد البشرية في مجالات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب توفر الطاقة اللازمة لتشغيل الأنظمة واسعة النطاق. إلا أن غياب الرقائق الأكثر تطورًا يمثل عقبة رئيسية، إذ لا تزال الشرائح الصينية أقل قدرة مقارنة بالمعايير الأمريكية، خصوصًا في تدريب النماذج العملاقة.
تسعى بكين إلى سد هذه الفجوة عبر تطوير رقائق محلية مثل سلسلة Ascend من هواوي، والتي أظهرت نتائج جيدة في تشغيل المهام المرتبطة بالنصوص والصور، لكنها لا تزال أقل كفاءة في عمليات التدريب الضخمة مقارنة بالرقائق الأمريكية المتقدمة.
وفي خطوة تعكس تعقيد المشهد، سمحت الإدارة الأمريكية مؤخرًا ببيع بعض الشرائح المتقدمة للصين بشروط محددة، مع الاحتفاظ بالرقائق الأكثر تطورًا. الهدف من ذلك هو الحفاظ على التفوق الأمريكي مع دفع الصين للاعتماد على تقنيات أقل تقدمًا، ما يحد من قدرتها على المنافسة في المدى القريب.
في المقابل، تستثمر الشركات الصينية بقوة في النماذج مفتوحة الأوزان مثل Qwen وMoonshot، والتي تتيح للمطورين تعديل النماذج واستخدامها بسهولة في تطبيقات مختلفة. هذا التوجه ساهم في انتشار واسع للذكاء الاصطناعي داخل الاقتصاد الرقمي، وأتاح دخول عدد أكبر من الشركات والمطورين إلى السوق.
وتُظهر البيانات أن نماذج Qwen أصبحت من الأكثر تحميلًا عالميًا، مع مئات الملايين من التنزيلات وآلاف النسخ المطورة محليًا، ما يعكس استراتيجية صينية تقوم على الانتشار والتبني السريع بدل التركيز على التفوق التقني المطلق.
الفارق الجوهري بين الاستراتيجيتين الأمريكية والصينية يظهر في طبيعة الاستخدام. الولايات المتحدة تركز على تطوير البرمجيات والنماذج القادرة على تنفيذ المهام الرقمية المعقدة، مثل الأتمتة والتحليل والبرمجة. أما الصين فتوجه استثماراتها بشكل متزايد نحو دمج الذكاء الاصطناعي في العالم المادي، خاصة في الروبوتات والتصنيع والخدمات الصحية والبنية التحتية.
وتسعى الصين إلى تطبيق مبادرة "AI Plus"، التي تهدف إلى إدماج الذكاء الاصطناعي في جميع القطاعات الاقتصادية، مع خطة طويلة المدى لبناء مجتمع يعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2035.
في الجانب الجيوسياسي، تتباين الرؤيتان بشكل واضح. الولايات المتحدة تتبنى خطابًا قائمًا على المنافسة والهيمنة التقنية، بينما تروج الصين لفكرة نظام عالمي متعدد الأطراف يقوم على التعاون وتبادل الخبرات في مجال الذكاء الاصطناعي.
التحديات التي تواجه الطرفين مختلفة. الولايات المتحدة تواجه قيودًا مرتبطة بتكلفة الطاقة وتوسيع مراكز البيانات، إضافة إلى التحديات التنظيمية المرتبطة بسلامة الذكاء الاصطناعي. الصين، من جهتها، تصطدم بعقبات في الوصول إلى الرقائق المتقدمة وتطوير منظومة إنتاج محلية قادرة على منافسة الشركات الأمريكية.
ورغم حدة المنافسة، تشير المؤشرات إلى أن السباق لن ينتهي بسيطرة طرف واحد. الاتجاه الحالي يوحي بتوزيع النفوذ عبر مجالات مختلفة؛ الولايات المتحدة تحافظ على التفوق في تطوير النماذج المتقدمة والبنية الحاسوبية، بينما تتقدم الصين في نشر الذكاء الاصطناعي داخل الاقتصاد الحقيقي والتطبيقات الصناعية.
المحصلة أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يُحسم فقط بمن يمتلك النموذج الأقوى، بل بمن يستطيع تحويل التقنية إلى منظومة إنتاج واقتصاد متكامل قادر على إعادة تشكيل الصناعة والعمل والمجتمع.










